عبد القادر الجيلاني

190

فتوح الغيب

وكيف لا يكون كذلك ؟ ونيّة الآخرة هي طاعة اللّه ، لأنّ النّيّة روح العبادات وذاتها . وإذا أطعت اللّه بزهدك في الدّنيا أو طلبك دار الآخرة كنت من خواصّ اللّه عزّ وجلّ وأهل طاعته ومحبّته ، وحصلت لك الآخرة وهي الجنّة وجوار اللّه عزّ وجلّ وخدمتك الدّنيا ، فيأتيك قسمك الّذي قدّر لك منها ، إذ الكلّ تبع لخالقها ومولاها وهو اللّه عزّ وجلّ ، وإن اشتغلت بالدّنيا وأعرضت عن الآخرة غضب الرّبّ عليك ففاتتك الآخرة وتعاصت الدّنيا عليك وتعسّرت وأتعبتك في إيصال قسمك إليك لغضب اللّه عزّ وجلّ عليك لأنّها مملوكته ، تهين من عصاه وتكرم من أطاعه ، فيتحقّق « 1 » حينئذ قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الدّنيا والآخرة ضرّتان ، إن أرضيت إحداهما أسخطت عليك الأخرى » « 2 » .

--> - سيرين ، عن أنس بن مالك إلا قد رفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يعطي الدنيا على نية الآخرة ، وأبى أن يعطي الآخرة على نية الدنيا » . وذكره الديلمي في الفردوس ( 546 ) عن أنس بن مالك . وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ( 16 / 18 الشعب ) : قال قتادة : إن اللّه يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا . ورواه ابن أبي عمر العدني في الإيمان ( 64 ) من طريق مرة الهمداني ، أن عبد اللّه بن مسعود حدّث : أنه سمع نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن اللّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن اللّه يعطي على نية الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا من يحب ، فمن أعطاه اللّه الدين فقد أحبه . والذي نفس محمد بيده ، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه » . قلنا : يا نبي اللّه ، وما بوائقه ؟ قال : « غشمه وظلمه ، ولا يكسب عبد مالا حراما فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدّق به فيتقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن اللّه عزّ وجلّ لا يمحو السيء بالسيء ، ولكن يمحو السييء بالحسن ، إن الخبيث لا يمحوه الخبيث » . ( 1 ) في المطبوع : ( فيحقق ) . ( 2 ) رواه ابن المبارك في الزهد ( 594 ) ومن طريقه العقيلي في الضعفاء الكبير ( 3 / 11 ) وأبو نعيم في الحلية ( 4 / 51 ) . ورواه أبو نعيم ( 4 / 51 ) من طريق عبد الرزاق . كلاهما عن رباح بن زيد ، عن عبد العزيز بن حوران قال : سمعت وهب بن منبه يقول : مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان : إن أرضى أحدهما أسخط الأخرى . أقول : عبد العزيز بن حوران شيخ من أهل صنعاء . قال عنه هشام بن يوسف : كان ضعيفا ، كان يشبه القصاص . وروى ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ( 308 ) وأبو نعيم في الحلية ( 4 / 251 ) عن عون بن عبد اللّه قال : إن الدنيا والآخرة في قلب ابن آدم ككفتي الميزان ، بقدر ما ترجح إحداهما تخفّ الأخرى .